فرنشايز شركة حسن فتحي للعمارة الخضراء ..فرصة غير مستغلة لإعمار أفريقيا

أحد الأفكار المقدمة في كتاب الفرنشايز الأخضر

مشروع شركة حسن فتحى للعمارة الخضراء، يمكن أن يتحقق منه للقطاع الخاص أو الحكومات استفادة تنموية ومادية من خلال تصديره عبر نظام الفرنشايز الأخضرللدول الأفريقية
شركة حسن فتحي للعمارة الخضراء

فرنشايز شركة حسن فتحي للعمارة الخضراء – إن ارتفاع فاتورة مواد البناء، يدفعنا للاتجاه نحو تبني نموذج المعماري المصري الكبير حسن فتحي، الذي أفنى حياته في تجربته الإبداعية التي أهداها لنا ووضع لها الأسس والإجراءات التنفيذية، بل ودراسة الجدوى في كتابه “عمارة الفقراء “.

فقد رأى حسن فتحي أن نظم العمارة الحديثة تجعل المباني من إسكان ومدارس ومستشفيات ومرافق عامة؛ مرتفعة الثمن ومعظمها من مواد مستوردة، وهو ما دفعه للتفكير في كيفية الاستفادة من الموارد الطبيعية المجانية والمتاحة بوفرة في الأرض؛ من أجل توفير عمارة للفقراء من مصادر الطبيعة المجانية، والتي هي أيضًا قابلة لإعادة التدوير، وهو ما يعرف اليوم بـ “العمارة الخضراء” أو “العمارة البيئية”، والتي أصبحَت توجّهًا عالميًّا ومجالًا من مجالات الاقتصاد الأخضر.

عبقرية التصميم : تبريد وتدفئة بلا طاقة ..قباب بلا حديد أو أخشاب

توصل حسن فتحي بعد سنوات من البحث والتجارب إلى النظام والطريقة التي يمكن البناء بها دون أي تكلفة سوى تكلفة العمالة، فاستطاع حسن فتحى تخفيض 90% من تكلفة المباني. تعتمد طريقة حسن فتحى على البناء بالطوب اللبن الذي يتحمل الظروف المناخية لآلاف السنين؛ مقارنة بعمر المباني الحديثة، والتي يصل عمرها إلى 80 عامًا، كما تعتمد مباني حسن فتحي على القباب لتغطية الأسقف لخفض درجة الحرارة وحماية المباني من تسرب مياه الأمطار عبر الأسقف، ووضع نظاماً لبناء القباب بدون أخشاب أو حديد مستعيناً بخبرة بنائي منطقة النوبة في مصر.

وقد راعى حسن فتحي في تصميماته أن يكون لكل منزل في القرية تصميمه الخاص؛ حتى لا يختلط الأمر على السكان، كما راعى في تصميماته مسارات الهواء ووجود فناء مفتوح يتوسط كل منزل لخفض درجة حرارة المنزل، واستطاع حسن فتحى بالمواد المستخدمة والتصميم العبقري خفض درجة الحرارة داخل أبنيته بمقدار 17 درجة مئوية عن المنشآت المبنية بالأسمنت والحديد المسلح، كما قدَّمَ وسائل التبريد والتدفئة للأبنية بلا كهرباء أو غاز وبموارد طبيعية ومجانية أيضًا، كما عالج كل مشاكل البناء بالطوب اللبن من تسرب المياه أو وجود الحشرات أو غيرها من المشكلات التي كان يواجهها الفقراء في عمارتهم.

  • متنزه طبيعي ومستدام للفقراء بلا تكاليف تشغيل أو صيانة أو طاقة

أما منطقة حفر التربة المجاورة للقرية واللازمة لصناعة الطوب اللبن، والتي كانت تمتلئ بمياه الأمطار وتتحول إلى بِرَكٍ وتجمع للحشرات؛ فقد ابتكر لها حسن فتحي فكرة لتحويلها إلى مسبح صحيّ ومتنزه مجاني لأهل القرية، عن طريق توصيلها بقناة من النهر ذات بوابات تُفتَح وتُغلَق ذاتيًّا، وهذه البوابات تضمن جريان المياه وتجددها وتمنع انتشار البلهارسيا، كما حدَّدَ حسن فتحى الشجيرات المثمرة التي تزرع حول المسبح الطبيعي، ووضع نوعًا من أشجار المانجو المثمرة التي لا تحتاج إلى عناية كبيرة، وراعَى ألّا يحتاج المتنزه الريفي إلى أي تكلفة للصيانة والتشغيل، فاستطاع أن يحوّل المنطقة المحفورة على طرف القرية من بِركَة مغمورة بمياه ملوثة إلى متنزه طبيعي خلاب ومجاني.

  • تطبيق تجربة حسن فتحي في مصر وأمريكا

عهدت وزارة الأشغال العامة بمصر لحسن فتحي في أربعينيات القرن الماضي ببناء قرية القرنة في أسوان لنقل سكان القرية من منطقة مقابر الملوك، وقد ضمها اليونيسكو ضمن القرى الأثرية،كما بنى حسن فتحى قرية أخرى في الوادي الجديد؛ وهي قرية واحة باريس، وواجه الكثير من الروتين والمشكلات في بنائها مثل القرية لاسابقة، وطُلب حسن فتحي لتنفيذ مشروع مماثل في ولاية أريزونا بأمريكا، وبفضل الدعم المقدم له تمكَّنَ حسن فتحي من الانتهاء من المشروع في 15 يومًا فقط.

  • البعد الاقتصادي والاجتماعي لمشروع حسن فتحي

ولم يكن مشروع حسن فتحي مشروعًا معماريًا مراعيًا للبُعد البيئي فقط ويتسق مع مفهوم العمارة الخضراء والاقتصاد الدائري، بل إنه قد راعَى البُعد الاقتصادي والبُعد الاجتماعي؛ فقد كان حسن فتحي يعتبر العمارة مدخلًا لتغيير حياة الناس، والحقيقة أن ما فعله حسن فتحي هو نموذج لما يعرف اليوم بفكر التنمية المستدامة بأبعاده الثلاث (الاقتصادي، والاجتماعي، والبيئي).

على مستوى البُعد الاقتصادي أنشأ حسن فتحى للقرية سُوقًا ومنطقة للورش ومدرسة لتعليم مهارات وفنون الإنتاج اليدوي من الفخار والنسيج والألباستر وزخرفة الزجاج والسيراميك، وغيرها من المنتجات التي تغطي حاجة القرية ويمكن بيع الفائض منها، ووضع حسن فتحي تصوّرًا لتشغيل سكان القرية بالكامل.

أما فيما يتعلق بتكلفة أجور البنائين فقد أبدع لها حسن فتحي نموذج البناء التعاوني، والذي تضمّنَ نظامًا للتدريب خلال 15 يوماً وهيكلاً تصاعدياً لأجور البنائين من سكان المناطق الريفية؛ ليكونوا قادرين على بناء مساكنهم دون عون حكومي.

أما فيما يخص البُعد الاجتماعي فقد راعى حسن فتحي في تصميم القرى وجود المدرسة والمسجد والمرافق العامة، علاوة على قصر ثقافة يضم مسرحًا بالتصميم الروماني لممارسة هوايات التحطيب وحفلات الإنشاد الديني في المواسم الدينية، وقد أنشأ كل هذا بتصميمات تُراعِي احتياجات السكان الريفيِّين وتتناسب مع ثقافتهم واحتياجاتهم، كما راعى أيضًا جماليّات وروعة التصميم؛ فحوّل المباني الطينية إلى تحفة معمارية تراعي إسعاد الفقراء وتلبية احتياجاتهم.

وفيما يتعلق بالبعد البيئي فإن عمارة حسن فتحى عمارة خضراء خالصة لا تستخدم الأسمنت أو الحديد أو الأخشاب، علاوة على كونها تتحمل الظروف المناخية القاسية. وفي حال الاضطرار لإزالة المباني لأي سبب فإن جميع المواد المستخدمة في البناء قابلة لإعادة التدوير والاستخدام مرة أخرى، علاوة على عمرها الافتراضي الطويل والذي يصل لآلاف السنين. الدول الأفريقية هي الأكثر تأثّرًا والأكبر خسارة من التغيرات المناخية؛ لذا يُعتَبر مشروع حسن فتحي حلًّا مثالياً للتلك المشكلة ، يمكن القول أن مباني حسن فتحي مُصمَّمَة بالأساس للصمود أمام التغيرات المناخية.

  • كيف نوظف الكنز المعرفي ” الأخضر ” ؟

أهدَى “حسن فتحي” للإنسانية منذ أكثر من أربعين عامًا كنزًا معرفيًّا أخضر بلغة عصر “اقتصاد المعرفة”، وهو كنز يرتبط ارتباطًا مباشرًا بموضوعين تم طرحهما في هذا الكتاب، الأول هو المشروعات الخضراء في أفريقيا والتي تحظى بفرص تمويلية كبيرة، والثاني هو تصدير المعرفة الفنية عبر الفرنشايز الخدمي؛ وكلاهما مترابطان.وهو نموذج عمل يمكن أن يساهم بفاعلية في سد فجوة تمويل الإنشاءات اللازمة للتنمية العمرانية بما يشملها من بناء إسكان أو مدارس أو مستشفيات، على الأقل في المناطق الريفية التي تأوي معظم سكان العالم ومعظم سكان أفريقيا.

مشروع شركة حسن فتحى للعمارة الخضراء الذي نضعه بين يدي متخذي القرار من القطاعين العام والخاص، يمكن أن يتحقق منه للقطاع الخاص أو الحكومات استفادة تنموية ومادية من خلال تصديره عبر نظام الفرنشايز الأخضر، كما يمكن للدول التي تسعى لتعزيز العلاقات مع الدول الأفريقية استخدام هذا النموذج لدعم العلاقات مع الشعوب الأفريقية قبل الحكومات.

تحصل الدول الأكثر فقرًا على مِنَحٍ ومساعدات محدودة لسكان المناطق المهمشة من جهات التمويل الدولية وهي لا تكفي بالطبع لسد احتياجاتها، فيمكن أن يكون لهذا النموذج دورٌ في إعادة هيكلة هذه المساعدات لاستخدامها بطريقة أكثر كفاءة وإشباع، خاصة وأن نموذج العمل يتوافق مع الاتجاه العالمي السائد للحفاظ على البيئة.

وقد سرَدَ ” فتحي ” في كتابه عمارة الفقراء كل التفاصيل الفنية والهندسية اللازمة لإتمام المشروع؛ فكتاب عمارة الفقراء هو بمثابة مانيفستو جاهز لنموذج عمل فريد لفرنشايز الخدمات في قطاع التشييد والبناء؛ علاوة على أنه ركيزة يمكن البناء عليها للتنمية السياحية الخضراء وللسياحة البيئية ، كما يمكن أن تكون عمارة حسن فتحي حلاً منخفض التكلفة لمشكلة تشييد مناطق سكنية بجوار المناطق الصناعية المستهدفة.

المراجع :

كتاب : الفرنشايز الأخضر..مبادرتي من أجل اقتصاد عالمي مستدام (2025)، د.مصطفى العناني

كتاب : عمارة الفقراء، حسن فتحي 

إقرأ أيضا : 

(الذهب الأخضر)..تدوير مخلفات زراعة الموز في أفريقيا