يُعتبر قطاع الصناعات التحويلية أحد القطاعات الحيوية في الاقتصاد العالمي؛ حيث يلعب دورًا مهمًا في تحويل الموارد الطبيعية إلى منتجات نهائية ذات قيمة مضافة عالية، ولذلك تأخذ العديد من الدول على مستوى العالم اهتمامًا كبيرًا بتطوير هذا القطاع وتحسين أدائه، ويمكن لتطوير قطاع الصناعات التحويلية أن يحقّقَ نتائج إيجابية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي؛ حيث يمكن لهذا القطاع أن يُسهِم في توفير فرص عمل جديدة لامتصاص فائض العمالة وزيادة الإنتاجية وتحسين الصادرات وتنويع الاقتصاد وزيادة الإيرادات الحكومية؛ مما يعزز الاستقلالية الاقتصادية للدولة ويقلل من الاعتماد على الواردات.
وقد جاء في تقرير منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية 2022 حول مستقبل التصنيع في عالم ما بعد الجائحة -كوفيد- ([1]) أن البلدان التي تتمتَّع بأنظمة تصنيع أقوى تجاوَزَت الأزمة بشكل أفضل، حتى بعد الأخذ في الاعتبار حِدَّة الجائحة وصرامة تدابير الاحتواء، ويُظهِر التقرير أن القدرات الصناعية في أي بلد وحجم قطاع التصنيع فيه يُشكّلان عاملَيْن مُهمَّيْن للقدرة على الصمود في مواجهة الأزمة؛ فالبلدان ذات الأنظمة التصنيعية الأقوى نجَت من الأزمة الاقتصادية بشكل أفضل من البلدان الأخرى.
فإذا كنا بصدد مهمة تطوير الصناعة المصرية يجب أوّلًا إلقاء نظرة على وضع قطاع الصناعات التحويلية لمعرفة طبيعة الإنتاج، واستنتاج أثره على أوضاع التجارة الخارجية وعجز الميزان التجاري.
وفيما يلي نُحلّل الهيكل النسبي للصادرات الصناعية حسب درجة التصنيع، وللواردات الصناعية حسب درجة الاستخدام.
- تحليل هيكل الصادرات السِّلعِيّة المصرية حسب درجة التصنيع:
الهيكل النسبي للصادرات السلعية المصرية حسب درجة التصنيع خلال الفترة (2015- 2019) ـ الأرقام بالنسبة المئوية
|
البيان |
الوقود والزيوت المعدنية ومنتجاتها | المواد الخام | السلع نصف المصنعة | السلع تامة الصنع | إجمالي السلع نصف المصنعة وتامة الصنع |
| 2014/2015 | 40.6 | 7.8 | 8.8 | 42.8 | 51.6 |
| 2015/2016 | 30.8 | 9.8 | 9.0 | 50.4 | 59.4 |
| 2016/2017 | 31.3 | 8.7 | 18.4 | 41.5 | 60.0 |
| 2017/2018 | 34.7 | 8.7 | 16.6 | 40.1 | 56.6 |
| 2018/2019 | 41.5 | 8.4 | 12.8 | 37.2 | 50.0 |
| معدل النمو بين عامي
17/2018و18/2019 |
32.1 | 7.1 | -14.5 | 2.4 | -2.5 |
المصدر: تم حساب النسب وبناء الجدول اعتمادًا على قاعدة بيانات البنك المركزي المصري وِفقًا لآخر تقرير منشور 2020
يتضح من التوزيع النسبي لهيكل الصادرات السلعية المصرية حسب درجة التصنيع الوارد بالجدول ما يلي:
– إن صادرات الوقود استحْوَذَتْ على النصيب الأكبر من إجمالي الصادرات السلعية المصرية خلال الفترة، وفي عام 14/2015 احتلَّت صادرات السلع التامة الصُّنْع المرتبة الأولى بما يعادل 50.4% من الصادرات، واستمرت كذلك حتى عام 17/2018، وفي عام 18/2019 استعادَت صادرات الوقود صدارتها مرة أخرى بنحو 41.5% (وبمعدل نمو قدره32.1%)، في مقابل 37.2% فقط للسلع تامة الصنع بمعدل نمو 2.4% فقط
– احتلَّت نسبة الصادرات نصف المصنعة الترتيب الثالث في هيكل الصادرات السلعية المصرية، ولكنها اتّجهَت نحو الانخفاض هي الأخرى من 18.4% عام 2017/16 إلى 12.8% فقط عام 2019/18، كما أنها حقّقَتْ معدل نمو سالِب كبير بين عامَي 2018/2017 و2019/18 بنحو (14.5%) .
- تحليل هيكل الواردات السلعية المصرية حسب درجة الاستخدام:
الهيكل النسبي للواردات السلعية المصرية حسب درجة الاستخدام خلال الفترة (2015- 2018) ـ الأرقام بالنسبة المئوية
| البيان | (1)
الوقود |
(2)
مواد خام |
(3)
سلع وسيطة |
(4)
سلع استثمارية |
مجموع
(3+4) |
سلع
استهلاكية معمرة |
سلع
استهلاكية غير معمرة |
إجمالي السلع
الاستهلاكية |
| 2014 | 13.2 | 10.4 | 39.8 | 11.9 | 51.4 | 6.0 | 19.1 | 25.1 |
| 2015 | 15.5 | 8.2 | 35.5 | 12.9 | 48.4 | 8.1 | 19.7 | 27.9 |
| 2016 | 9.9 | 8.9 | 38.2 | 15.1 | 53.3 | 7.6 | 20.3 | 28.0 |
| 2017 | 16.3 | 10.4 | 37.1 | 12.1 | 49.2 | 5.7 | 18.4 | 24.1 |
| 2018 | 15.5 | 10.2 | 37.5 | 12.3 | 49.8 | 7.4 | 17.1 | 24.5 |
| متوسط الفترة | 14.4 | 10.3 | 38.8 | 12.8 | 51.5 | 6 | 17.7 | 23.7 |
| معدل النمو بين
2017-2018 |
17.2 | 20.9 | 24.7 | 25.8 | 25 | 60.1 | 14.6 | 25.5 |
المصدر: تم حساب النسب وبناء الجدول اعتمادًا على البيانات المتاحة لدى الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وفقًا لآخر تقرير منشور 2019
يشير الهيكل النسبي للواردات الصناعية المصرية حسب درجة الاستخدام خلال الفترة الواردة بالجدول السابق، إلى استمرار التركيز على استيراد السلع الوسيطة والاستثمارية؛ حيث استحوذَتْ على النصيب الأكبر من إجمالي الواردات السلعية المصرية خلال الفترة بما يعادل نحو 51.5% في المتوسط، وهي بذلك حافظَت على ترتيبها الأول في هيكل الواردات السلعية المصرية.
– تأتي في المرتبة الثانية الواردات من السلع الاستهلاكية (معمرة وغير معمرة) بما يعادل نحو 23.7% في المتوسط من إجمالي الواردات السلعية المصرية بمعدل نمو قدره 25.5% بين عامي 2017 و2018.
– جاءت الواردات من الوقود في المرتبة الثالثة بما يعادل نحو 14.4% في المتوسط من إجمالي الواردات السلعية المصرية.
– في المرتبة الرابعة والأخيرة جاءت الواردات من المواد الخام بما يعادل نحو 10.3% في المتوسط من إجمالي الواردات السلعية المصرية.
- جهود الدولة لتخفيض الواردات:
عقْبَ توجيه رئيس الجمهورية حول ضرورة ترشيد استخدام الدولار والحد من الواردات قام مركز تحديث الصناعة([2]) بحصر لأهم البنود الجمركية والخامات التي تعمل عليها الدولة حاليًا بهدف تصنيعها في السوق المصري؛ حيث تمت ترجمة هذه البنود الاستيرادية وتم حصر 152 منتجًا وسلعة وبندًا جمركيًا يمكن توفير فرص استثمارية فيها.
وفق ما ذكره مركز تحديث الصناعة فإن هناك 4804 بند جمركيّ يمكن العمل على تصنيعه محليًّا، هذه البنود الجمركية بلغت فاتورة استيرادها قرابة 60 مليار دولار في عام 2019، أو ما يعادل 85% من إجمالي فاتورة الاستيراد، ومن بين تلك البنود هناك نحو 855 بندًا يبلغ كل منها 10 ملايين دولار أو أكثر، وشكلت 74% من إجمالي الواردات في عام 2019، ومن المقرر أن تُسهّل الحكومة تخصيص الأراضي لهذه الفرص الاستثمارية ومنح الرخص الصناعية لها بشكل سريع، وبدء الإنتاج بصورة أسرع من خلال عدة حوافز.
وتستهدف الحكومة وفق مركز تحديث الصناعة 9 قطاعات صناعية تحتوي القطاعات ذات الأولوية؛ وهي الخشب والأثاث، والصناعات الهندسية، والأغذية والزراعة، والصناعات الكيماوية، والمنسوجات، والصناعات الدوائية والطبية، والطباعة والتغليف، ومواد البناء، والصناعات المعدنية.
- تقييم الجهود المبذولة لاستراتيجية الدولة لتخفيض الواردات:
إن حصر البنود الجمركية وقائمة السلع الممكن تصنيعها وتقديرها بـ 74% من حجم الواردات وحوالي 60 مليار دولار لهو جهد طيب لمركز تحديث الصناعة –التابع لوزارة الصناعة–، ويمكن البناء عليه إذا ما انتبهنا للملحوظات التالية:
- إن طرح قائمة بالسلع المطلوبة محليًّا لا يُعدّ فرصة استثمارية بالمعنى المتعارف عليه؛ فالفرصة الاستثمارية تعني تحديد موقع معين مع توفير دراسة جدوى للمشروع، وبيانات ومؤشرات وأرقام الصناعة أو المجال، مع توفير بعض الحماية للصناعة المحلية في منافسة المستورد ، ويمكن للتسهيل طرحه جاهز بالترخيص.
- إن معوقات الاستثمار كلها لا زالت تواجه هذه “الفرص”، وهي استخراج التراخيص وتعارض القوانين وتعدد جهات الولاية والقيود على استخدام العملة الأجنبية، وتعدّد الضرائب، علاوة على صعوبة الحصول على الأراضي الصناعية المرخصة وارتفاع أسعارها في المناطق الصناعية.
- إن الفرص المطروحة لم تُقدِّم حلولًا لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة أو بروتوكول تعاون بين جهة أي جهة حكومية وبين جهات التمويل للتسهيل على المستثمر المحتمل.
- نقص المعرفة وتكنولوجيا التصنيع في القطاعات المستهدفة.
- مشكلة تسويق منتجات المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تنافس المنتج المستورد.
- غياب التخطيط الصناعي و عدم وجود عناقيد صناعية أو مناطق وتجمعات للصناعات التسعة المعلن عنها تضمن تحقيق التكامل الرأسي أو الأفقي للمنشآت الصناعية في كل صناعة. فكان من المفترض أن يتم تخصيص منطقة لكل صناعة من الصناعات التي تم تحديدها وإطلاق خريطة فرص استثمارية لكل منطقة، أما مجرد إعلان أن هذا البند يتم استيراده وعليه يتم دعوة المستثمرين لإنتاج هذه المنتجات، فهذا طرح لا يمكن اعتباره فرصة استثمارية.
ولكل ما سبق لم يتقدم المستثمر ولم يتغير في الأمر شيئا؛ لأنه لا توجد فرصة بالمعنى المتعارف عليه، وبالتالي لم يتم تنفيذ المشروعات التي يمكن أن تخفض الواردات، فيما أسماه مركز تحديث الصناعة (استراتيجية الدولة لتخفيض الواردات).
إن الأداء الحالي لقطاع الصناعات التحويلية في مصر يعاني بعض الصعوبات؛ حيث إن حصة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي تبلغ حوالي 11%، وهي ما تُعد نسبة متوسطة بالنسبة للدول الأخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولكنه يمثل نسبة أقل من المستهدف المرجو الوصول إليه في رؤية مصر 2030، والذي يستهدف زيادة حصة الصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي إلى 25%.
واللافت للنظر أن واردات السلع المُصَنَّعة والنصف مصنعة تمثِّل النسبة الأكبر من حجم الواردات المصرية، وهو ما يستلزم الاهتمام بالتكامل الأفقي والرأسي للصناعات التحويلية المصرية، ويستدعي ضَخّ مزيد من الاستثمارات في إنتاج المواد الأولية اللازمة للنهوض بهذا القطاع، خاصة في مجال البتروكيماويات والتعدين، والتي تمثل المُدخَل الأوَّلِيّ للصناعات التحويلية.
وإذا كنا نريد استثمار ميزة توافر القوى العاملة للوصول إلى حجم الصادرات المأمول في مصر؛ فإن الاعتماد في المرحلة الأولى يمكن أن يكون على الصناعات منخفضة التكنولوجيا ورأس المال وكثيفة الاستخدام للعمالة، وعلى رأسها صناعة الغزل والنسيج والملابس، ثم تأتي في المرتبة الثانية صناعة الجلود والأثاث، ومن الجدير بالذكر أن مصر أنشأت مناطق صناعية متخصصة لهذه الصناعات، وهي: مدينة الأثاث بدمياط، مدينة الجلود بالروبيكي، مدينة النسيج بالسادات، إلا أن هذه المشروعات لم تحقق المأمول منها، ولم تنجح في ترويج الفرص الاستثمارية المتاحة بها لعدة اعتبارات؛ تم معالجتها وطرح حلولها في كتابنا “روشتة إنقاذ الجنيه “، ضمن مجموعة مقترحات لعلاج عجز الميزان التجاري وتصحيح أوضاع الجنيه.
وحتى نتمكن من فهم واستيعاب وتقييم الحلول المطروحة يجب إلقاء نظرة على ملامح الاقتصاد العالمي الجديد وأدواته ومقتضياته؛ لنستكشف سويًّا كيف يمكن التعامل مع هذا العالم الجديد، وكيف يمكن لمتخذ القرار أو القطاع الخاص التعامل معه وتطويع أدواته.
المصادر والمراجع :
([1]) تقریر التنمیة الصناعیة 2022 نظرة عامة : مستقبل التصنيع في عالم ما بعد الجائحة. منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية “يونيدو”.