منذ نهاية القرن العشرين وبداية القرن الجديد بدأَت تتشَكَّل ملامح النظام الاقتصادي الجديد الذي يدعو إلى التحرر الاقتصادي، وتبَنِّي آليات السوق في التسيير واتخاذ القرارات، وقد أدَّى هذا التغير إلى تبنِّي الدول لمنهج “التخطيط التأشيري” الذي جعل مهمة الدولة هي التخطيط للتنمية عبر رسم المسار ودفع القطاع الخاص ليعمل ويُنتِج، عوضًا عن منهج “التخطيط التوجيهي” أو “المركزي”، والذي كان معمولًا به في فترة سيادة نظام الاقتصاد الاشتراكي، وكانت الدولة بمقتضَى هذا النظام تسيطر على عناصر الإنتاج والتوزيع، وتتولَّى بدورها تمويل التنمية وتوزيع عوائدها، وهو تغيُّر جذري في نظام التخطيط التنموِي على المستوى القومي.
ورغم امتلاك الدول النامية للثروات الطبيعية والبشرية فإنها تشكو كثيرًا من التخلف الاقتصادي؛ وهو التخلف الذي قد يظهر في عدم استغلال الثروات المتاحة، أو قلة استغلال ما هو ممكن منها، وإذا كانت التنمية الاقتصادية والاجتماعية تُمثّل الهدف الأسمى للدول النامية للقضاء على التخلف ورفع مستوى رفاهية الأفراد؛ فإن تحقيقها في الوقت الراهن، وبالنظر إلى اتجاهات العلاقات الاقتصادية الدولية، يكاد يكون مرهونًا بضرورة الاندماج في الاقتصاد العالمي.
وقد أفضَت أدوات النظام الاقتصادي الجديد إلى توسيع حجم التجارة الدولية من خلال إلغاء الحماية القانونية للقطاعات الوطنية، وإلغاء الحواجز الجمركية على المبادلات التجارية، وهذا ما يعني انفتاحًا غير مشروط وغير مقيد على العالم الخارجي؛ مما نتج عنه إزالة الحماية عن المؤسسات الاقتصادية الوطنية بغضّ النظر عن مستوى تقدمها ونموها، وبالنظر إلى قوة المنافسة الدولية فإنه يمكن القول بأن الوحدات الإنتاجية للدول النامية غير قادرة على الصمود أمام المؤسسات الأجنبية في ظل عدم تكافؤ الفرص.
إن هذه المخاطر تجبر الدول النامية على حتمية تطوير علاقاتها الدولية بالشكل الذي يضمن لها مستوى تموين دائم بمواد التجهيز والسلع الإنتاجية والاستهلاكية، وهو ما يقتضي الاستغلال الأمثل لجميع الثروات الطبيعية والبشرية المتاحة في الاقتصاد الوطني؛ لتتمكن من الاندماج في الاقتصاد العالمي. ([1])
ومع تزايد العولمة انتشر في الاقتصاد العالمي ظاهرة سلاسل القيمة العالمية (Global Value Chain)، ويُشار إليها اختصارًا بـ (GVCs)، وأصبح العالم مطبوعًا بتلك السلاسل العالمية، وقد يُطلَق عليها التجميع خارج الحدود؛ حيث ينتج المنتج النهائي في العديد من الدول وتتخصّص كل دولة في جزء منه، ثم يتم تجميع تلك الأجزاء من مختلف المصانع التي قامت بصناعة هذه الأجزاء؛ ليخرج في النهاية منتجاً نهائياً تاماً، اشتركت فيه العديد من الدول مثل السيارة الألمانية BMW، حيث يساهم في إنتاجها أكثر من 280 مصنعاً على مستوى العالم، ووفقًا لتقرير منظمة التجارة العالمية فإن سلاسل القيمة العالمية باتَت تشكل نحو 50% من حجم التجارة العالمية. ([2])
- كيف تحول العالم إلى سلاسل قيمة متشابكة؟
- مفهوم ونشأة سلاسل القيمة.. الرائد (بورتر):
يعتبر الدخول في سلاسل القيمة العالمية إحدى أهم الوسائل الأساسية في دعم عملية النمو الاقتصادي المستدام وتعزيز تنافسية الصناعة، وخلق فرص العمل والقضاء على الفقر ومعالجة نقص الموارد ومواجهة تحديات الإنتاج العالمية. ([3])
تعبر سلاسل القيمة العالمية عن عملية تفكيك عناصر الإنتاج عبر أجزاء كثيرة من العالم وتجميعها في منتج نهائي وفقًا لظروف الطلب وتكلفة الإنتاج وسهولة الوصول إلى الأسواق، وهي تحدد الخطوات المختلفة لنشاط الشركات من بدايته إلى غاية تقديمه في شكله النهائي؛ حيث تتضمَّن أنشطة البحث والتطوير، التصميم، الإنتاج، التسويق، التوزيع، إدارة وإعادة تدوير النفايات. ([4])
ويُعرّف البعض سلاسل القيمة العالمية على أنها: “عملية توزيع أو تقسيم الإنتاج بين العديد من الدول، بحيث تسهم كل دولة في عملية الإنتاج بجزء ولو بسيطٍ في عملية إنتاج السلعة أو الخدمة النهائية”، وفي البداية أُطلق على هذه العملية العديد من المصطلحات؛ منها مصطلح الإنتاج بالمشاركة، ومصطلح التجميع خارج الحدود، كما عرفها البعض الآخر على أنها تدويل مراحل صناعة المنتج بحيث تشترك أكثر من دولة في إنتاج السلعة، ويرتبط تشكيل سلسلة القيمة من أنشطة خلق القيمة التي تبدأ مع استخدام المواد الخام الأساسية القادمة من المُوردين، ثم الانتقال إلى سلسلة من الأنشطة ذات القيمة المضافة التي تشارك في إنتاج وتسويق المنتج أو الخدمة، وتنتهي مع الموزعين للحصول على السلع النهائية، ومنها إلى يد المستهلك النهائي.
وهنا ينبغي التفرقة بين مفهوم سلسلة التوريد ومفهوم سلسلة القيمة، حيث الأولى تعني: الخطوات التي تتخذها الشركات لإيصال المنتج أو الخدمة إلى العميل وتلبية متطلباته وتحقيق رضاه، أما مصطلح سلسلة القيمة فيشير إلى مجموعة من الأنشطة المترابطة المسئولة عن توليد القيمة التي تستخدمها الشركة لخلق ميزة تنافسية، وذلك بدءًا من مصادر الحصول على المواد الخام من المُوَرِّد وانتهاء بتسليم المنتجات إلى المستخدم النهائي. ([5])
وقد ظهرت فكرة تحليل سلسلة القيمة عام 1985 كطريقة لتوضيح أثر العمليات والأنشطة المسئولة عن أداء كل من التصميم والتصنيع والتسويق في تحقيق القيمة للعملاء على يد “بورتر”، الذي يُعدّ أول من وضع أسس تحليل القيمة، حيث قام بتقسيم الأنشطة التي تخلق القيمة إلى أنشطة أساسية وأخرى داعمة، تشمل الأولى: الإمدادات، والإنتاج والتسويق والخدمات المرافقة، وتضم الثانية: التموين والبحث والتطوير وإدارة الموارد البشرية والبنية التحتية للمؤسسة.
ويرى “بورتر” أن المؤسسات تُنفِق الكثير من الوقت والأموال على الأنشطة الداعمة، والتي لا تمثل لها أي ميزة نسبية، ودعَا بأن تقوم المؤسسات بالتركيز على عمليات التصنيع والاستعانة بمصادر خارجية لمرحلتي ما قبل التصنيع بالبحث والتطوير والموارد، وما بعد التصنيع بالتسويق وخدمات ما بعد البيع.
- كيف تطورت سلاسل القيمة “العنكبوتية” في العالم؟
تطوّرَت سلاسل القيمة، أو ما عُرِفَت سابقًا باسم الإنتاج المشترك بين دول العالم المختلفة، حيث تبدأ العملية عند تصدير السلع والمواد الأولية من معادن أو منتجات زراعية مثل القطن، ثم تنتقل هذه السلع الأولية من الدول النامية إلى الدول المتقدمة لإجراء بعض العمليات الصناعية عليها؛ لتتحول المعادن إلى آلات ومعدات، والقطن إلى منسوجات وملابس، ثم يُعَاد تصدير جزء من هذه السلع تامة الصنع إلى الدول النامية مرة أخرى بعد إتمام عملية التصنيع، وبالتالي يكون المنتج النهائي قد أسهم في إنتاجه أكثر من دولة. ([6])
وتطوَّرَت هذه الظاهرة في منتصف الستينيات من القرن الماضي، وأخذت شكلًا أكثر تقدمًا؛ حيث بدأت الشركات الدولية تنقل جزءًا من أنشطتها إلى الدول النامية التي تتمتع بأجور منخفضة للعاملين مقارنة بالدول الصناعية المتقدمة، حيث توجّهَت تلك الشركات دولية النشاط إلى العديد من دول جنوب شرق آسيا، خاصة هونج كونج وتايلاند وسنغافورة وماليزيا، وأقامت بها فروعًا تابعة لها بهدف تجميع المواد الأساسية المستخدمة في عملية التصنيع، مثل الأجهزة الكهربائية كالتليفزيونات والكاميرات وغيرها، ثم صناعة بعض أجزاء ومكونات السيارات والطائرات وأجهزة الاتصال والحاسبات وغيرها. ومنذ منتصف عقد السبعينيات وأوائل عقد الثمانيات من القرن العشرين شهِدَت بعض البلدان وخاصة في آسيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية، نموًّا سريعًا بفضل توسع صادراتها من السلع المصنعة، وانتقلت بذلك من مصاف الدول الأقل نموًّا إلى مصاف الأسواق أو الاقتصادات الناشئة، وأصبح قطاع الصناعة التحويلية في هذه الاقتصادات حديثة العهد بالتصنيع أحد أهم قطاعات الاقتصاد، كما أصبح يسهم في الناتج المحلي الإجمالي وفي الصادرات وتشغيل العمالة بصورة ملموسة. ([7]).
ويلعب تحليل سلسلة القيمة دورًا هامًّا في فهم نطاق القدرة التنافسية الشاملة للشركات؛ فالتحليل وتحديد الكفاءة الأساسية تقود الشركة إلى الاستعانة بمصادر خارجية في الأنشطة التي لا تمتلك فيها الكفاءة، حيث بدأت الشركات الدولية في التخلي عن العديد من الأنشطة التي كانت تتمّ داخل الشركة إلى شركات مستقلة عنها ومتخصصة أكثر في إنتاج أحد المكونات التي تدخل في إنتاج السلعة النهائية ([8])، نظرًا لما تتمتَّع به هذه الشركات من ميزة تنافسية، وبالتالي أصبحَت عملية تدويل الإنتاج تتم ليس فقط بين فروع الشركات دولية النشاط المنتشرة بين دول العالم المختلفة، ولكن أيضًا بين الشركات الدولية وشركات أخرى قد تكون محلية أو دولية، وهو ما يؤهلها للاندماج في العملية الإنتاجية دوليًا([9]).
ويمكن أن نُرجِع أسباب تلك الظاهرة إلى عدة عوامل، أهمها ما يلي:
- تحرير التجارة بين الدول وإزالة القيود والعوائق الجمركية؛ بما ساعد على توطين وتوزيع العمليات الإنتاجية على عدد كبير من الدول بحسب ما تتمتَّع به كل دولة من ميزات تفوق غيرها.
- التقدم التكنولوجي وثورة الاتصالات والمواصلات؛ بما سهَّل التواصل والاتصال الجغرافي بين مناطق العالم المتباعدة، وخفض تكاليف التعاون بين الفروع في المناطق المختلفة.
- ظهور التكتّلات الاقتصادية الإقليمية والاتفاقيات الثنائية والتشريعات التي تضعها بعض الدول من إعفاءات جمركية على بعض السلع أو السلع الوسيطة بشروط معينة. ([10])
- من يستفيد من سلسلة القيمة؟ تعرف على منحنى الابتسامة:
يوضّح الشكل التالي ما يُعرَف بمنحنى الابتسامة الذي يُبيّن المراحل المختلفة لسلسلة القيمة العالمية، وأن خدمات ما قبل وبعد التصنيع تسهم في الحصول على المزيد من القيمة المضافة، الذي يفوق التصنيع ذاته وتركز عليه الدول الكبرى.([11])
يؤثّر تموضع دولة ما على سلسلة القيمة بشكل كبير على حجم المكاسب التي تحصل عليها من مشاركتها في سلاسل القيمة العالمية، فهناك بعض الأنشطة مثل البحث والتطوير والتصميم وبعض الخدمات تخلق قيمة مضافة تفُوقُ أنشطة التجميع والتصنيع. ([12])
ويمكن تحديد العلاقة بين سلاسل القيمة العالمية والتنمية من خلال تحليل تموضع الدول والمشروعات ضمن مستويات منحنى الابتسامة، بمعنى أنّ أثر المشاركة في سلاسل القيمة يكون أعمق على مؤشرات التنمية كلما كانت الدولة أو المشاريع تتمركز في أعلى السلسلة (على أطرافها في اليمين واليسار)، وتتجه مستويات التنمية إلى الانخفاض كلما ارتكز التموضع عند الحلقات السفلى من السلسلة، وهو ما يفسر انخفاض القيمة المضافة للصناعات الهندسية في مصر، والتي تعتمد على صناعة التجميع التي عُرِفت بـ(صناعات ربط المفك).
وعلى الرغم من ذلك فإن صناعة التجميع ليست سيئة على أي حال، بل هي ركيزة يمكن البناء عليها لتعميق الصناعة المصرية إذا ما وفَّرْنا مصانع صغيرة تُنتِج المكونات التي يتم تجميعها، وحتى لو كان العائد الأعلى من القيمة المضافة للتطوير والعلامة التجارية والتسويق في طرفي السلسلة، إلا أن سد الفجوة بين واردات وصادرات السلع الهندسية وتعميق الصناعة المحلية بالتصنيع والتجميع معًا، يمكن أن يخفّض نسبة كبيرة من فاتورة واردات السلع الهندسية البالغ قدرها 22 مليار دولار، وهو ما يوازي تقريبًا 22% من إجمالي الواردات و44% من عجز الميزان التجاري.
- ماذا يعترض طريقنا؟ حواجز المشاركة في سلاسل القيمة العالمية:
أوضحت العديد من الدراسات أن أهم الحواجز أمام الدول والشركات للمشاركة في سلاسل القيمة العالمية تتمثل في 3 عقبات، وهي:
- عدم وجود البنية التحتية اللازمة؛
- محدودية فرص الحصول على التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة؛
- عدم القدرة على الامتثال للمعايير وعلى رأسها المعايير الفنية (غياب المعرفة الفنية).
ونضيف إلى ما سبق في الحالة المصرية عقبات الاستثمار وارتفاع أسعار الأراضي الصناعية، وصعوبة استخراج التراخيص، وهذه الأسباب مجتمعة أدَّت لتدنِّي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى قطاع الصناعة التحويلية، وقد أدى إحجام الاستثمار الأجنبي المباشر إلى نقص في التكنولوجيا والمعرفة وتنافسية الصادرات المصرية، وبالتالي انخفاض مساهمة مصر في الاندماج في سلاسل القيمة العالمية.([13])
الشكل التالي يوضح مساهمة مصر في سلاسل القيمة العالمية حسب تقرير للأونكتاد 2019، وهو يوضح تطور مساهمة مصر في سلاسل القيمة العالمية خلال العقدين الأخيرين، والتي وصلت في نهاية الفترة إلى 11 مليون دولار فقط.
والملاحظ عند تحليل مشاركة مصر في سلاسل القيمة العالمية هو تركز المشاركة في السلع الأولية.
وكنتيجة لأزمة كورونا أصبح هناك ملامح جديدة لمبادئ تقوم عليها سلاسل القيمة، يأتي على رأسها التركيز على البعد الإقليمي وليس الدولي ([14])، وجاء ذلك جراء تداعيات الأزمة، والتي أسفرت عمَّا يُعرَف بأزمة سلاسل التوريد، والتي تسبّبَت في رفع أسعار النقل والشحن؛ مما دعا الشركات الكبرى لإعادة ترتيب حساباتها وإعادة تقسيم أسواقها على مستوى الأقاليم بدلًا من تقسيمها على المستوى الدولي، فيصبح لكل شركة مصنع إقليمي يتوسط مجموعة من الأسواق القريبة بدلاً من إنتاج كل جزء من السلعة في الدولة التي تتمتع بميزة نسبية أكبر، ويشير تقرير البنك الدولي لعام 2020 إلى أن التوسع في سلاسل القيمة العالمية يرتكز جغرافيًّا في معظم دول أفريقيا وأمريكا اللاتينية وعدد من الدول الآسيوية، وعلى ذلك فإن مصر لديها فرصة كبيرة لاستثمار اتفاقية التجارة الحرة الأفريقية لتكون مصر بمؤهلاتها من حيث الموقع وقربها من الأسواق الأفريقية والعربية وتوافر القوى البشرية هي “مصنع أفريقيا والمنطقة العربية الجديد”، حيث إن معظم الدول الأفريقية تتركز تجارتها الخارجية في المواد الخام والسلع الأولية، ويتم تصديرها إلى الدول الصناعية في أقاليم بعيدة، ثم يعاد تصديرها مرة أخرى إلى الدول الأفريقية، وطالما أن الشركات قد عدّلَت استراتيجيتها هذه وقرّرَت أن تكون مراكزها الإنتاجية إقليمية فتلك هي الفرصة السانحة التي ينبغي على مصر استغلالها في الوقت الحالي لتعزيز اندماجها في سلاسل القيمة العالمية عبر تعميق وتوطين التصنيع المحلي.
خلاصة ما سبق في موضوع سلاسل القيمة :
إن بروز ظاهرة سلاسل القيمة قد أدَّى إلى التخلي عن نهج “الاقتصاد التقليدي” المعتمد على توافر الموارد الطبيعية والبشرية في دولة المقر، والتوجه إلى نهج “اقتصاد المعرفة” الذي لا يعتمد على توافر الموارد وتركزها في دولة المشروع، بل يعتمد على الاستثمار في رأس المال الفكري الذي يشمل: (رأس المال البشري، نظم وآليات الإنتاج، نظم التسويق والإعلان والتوزيع، براءة الاختراع والابتكار، سمعة المنتج في الأسواق، سمعة العلامة التجارية) ([15])، وبناء عليه فقد تم نقل عمليات التصنيع والتجميع إلى الدول النامية التي تتمتع بمزايا نسبية أفضل كالموقع الجغرافي القريب من أسواق المستهلكين، أو توافر المواد الخام اللازمة للتصنيع، أو توافر الأيدي العاملة المنخفضة التكلفة، أو بعض هذه المزايا أو كلها مجتمعة، فأصبحت الكثير من الشركات الكبرى لا تملك معظم مصانع منتجاتها ولا منافذ لبيعها، بل أصبحت تركّز اهتمامها على استقطاب الكوادر البشرية المحترفة في تصميم المنتجات والتسويق والهندسة، وهم الذين يقومون على تصميم نماذج الأعمال ودليل العمليات ودراسة الأسواق، ثم تمنح الشركة المالكة للمعرفة والعلامة التجارية: (حق الامتياز الصناعي أو الخدمي) و(حق امتياز التوزيع) لمستثمرين شركاء في الأسواق المختارة وِفقًا لاشتراطاتها، وبهذا تتمكن الشركة الأم من توسيع نطاق أعمالها والنفاذ إلى معظم أسواق العالم دون تحمل مخاطر الاستثمار أو الاستدانة، وتلك أحد تطبيقات ما يُعرَف باقتصاد المعرفة؛ فالشركات الكبرى صاحبة العلامات التجارية المعروفة وبراءات الاختراع تحصل على القيمة المضافة الأعلى من سلسلة القيمة، وتترك عمليات التصنيع والتجميع -الأقل في القيمة المضافة- لشركائها من الدول النامية حيث توجد المواد الخام والأيدي العاملة منخفضة التكلفة والمستهلكين، وبهذه الطريقة حصلت الشركات الكبيرة على القيمة المضافة الأعلى، وقامت بتصدير معرفتها للدول النامية، واستفادت حكومات هذه الدول بحصيلة التصدير والضرائب الهائلة دون الاعتماد على توافر الموارد الطبيعية أو القوى العاملة الكبيرة على أراضيها.
وعليه بات فهم أدوات (اقتصاد المعرفة) خطوة مهمة لمتخذي وصانعي القرار، والمنتجين والمصدرين -من القطاعين العام والخاص- من أجل الاندماج في الاقتصاد العالمي واستثمار المزايا النسبية التي تحظَى بها بلادنا لتجاوز عثراتنا في التجارة الخارجية والصناعات التحويلية للخروج من حلقة المديونية المفرغة واللا نهائية، على أن يكون ذلك مرحلة أولى لاستعادة التوازن الاقتصادي الذي يجب أن يستتبعه إنفاق أكبر على التعليم والبحث العلمي؛ لنتبوأ مكانتنا اللائقة في عالم اقتصاد المعرفة، ونحصل على نصيب “معتبر” من الثروة لتحقيق ما نأمله من رخاء لشعوبنا.
المصادر والمراجع :
([1]) فرحي، محمد. (2022) . حتمية الاندماج في الاقتصاد العالمي: هل من استراتيجية بديلة؟ مرجع سبق الإشارة إليه.
([2]) حليم.(2023).مستقبل المشاركة في سلاسل القيمة العالمية في ضوء الأزمات.
([4]) عرفان وهبة.(2020).التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين .
([5]) حليم.(2023).مستقبل المشاركة في سلاسل القيمة العالمية في ضوء الأزمات. مرجع سبق الإشارة إليه ـ
([6]) نعمان.(2013). سلاسل القيمة العالمية وأثرها على التنمية فى الدول النامية.
([8]) اعتماد شركات إنتاج الهواتف المحمولة على شركات متخصصة في إنتاج الموصلات نموذجًا.
([11]) حلمى، أشرف.(2019). المشاركة فى سلاسل القيمة العالمية للحد من مشكلات التجارة الخارجية فى مصر.
([13]) حلمى، أشرف.(2019). المشاركة فى سلاسل القيمة العالمية للحد من مشكلات التجارة الخارجية فى مصرـ مرجع سابق.
([15]) رأس المال الفكري للشركات يشمل: رأس المال البشري؛ أي ما يملكه العاملون من معارف ومهارات، وهيكل الشركة ويشمل نظم العمل.