المناطق الصناعية الحرة حلاً

عن دور المناطق الحرة في تجاوز عقبات الاستثمار

يُعتبَر نظام المناطق الصناعية الحرة المتخصصة حلًّا مناسبًا للحالة المصرية، كما أنه يتمتع بمزايا نسبية تفوق العديد من الدول النامية

إذا كان حل مشكلة إحجام الاستثمار الأجنبي المباشر مُمكنًا عبر استبداله بالاستثمار الأجنبي غير المباشر، وإذا كان الفرنشايز وعقود نقل التكنولوجيا حلًّا لاستيراد المعرفة في القطاعات التي تنقصنا فيها المعرفة، يبقى التحدي الأخير وهو “معوقات الاستثمار” من تراخيص وإجراءات جمركية وخلافه، وهو ما يمكن حله عبر اختيار النظام الاستثماري الأمثل في الظرف الحالي؛ ففي مصر أربعة أنظمة للاستثمار، وهي: الاستثمار الداخلي، المناطق الاستثمارية، المناطق الحرة، المناطق الاقتصادية، ونظرًا للظرف الحالي والذي تطلَّبَ فرض قيود على استخدام العملة الأجنبية وتحويل الأرباح للخارج علاوة على خضوع المواد الخام ومعدات الإنتاج للجمارك وضريبة القيمة المضافة وتعدد الضرائب؛ مما يحمل المنتج المحلي بتكلفة مرتفعة تصعب من موقفه التنافسي في السوق؛ لذا فإن نظام المناطق الحرة والمناطق الاقتصادية المعفاة من الجمارك والضرائب والتي ُتوَحِد جهة التعامل مع المستثمرين يبقى هو الأنسب لحل هذه المعوقات، فكيف يمكن للمناطق الصناعية الحرة أن تكون حلًّا لمعوقات الاستثمار سواء كان محليًّا أو أجنبيًّا.

المناطق الصناعية الحرَّة لتجاوز معوقات الاستثمار: 

منذ منتصف الستينيات من القرن العشرين اهتم الكثير من البلدان النامية بإقامة المناطق الحرة الصناعية، نظرًا لما توفره هذه المناطق من مزايا للمستثمرين من إعفاءات ضريبية وجمركية، وهو ما يساعد الدول على النهوض بالصناعة وتحسين أداء ميزان المدفوعات.

وعرَّف خبراء المنظمة العربية للعلوم الإدارية المنطقة الحرة بأنها جزء من الأرض تابعة لدولة ما، سواء كانت ضمن مينا ما، أو مدينة، أو قطعة أرض داخل حدود الدولة، ويتم إيضاح حدودها بطريقة قاطعة (سور ـ حاجز خاص)، وعادة يتم إعدادها وتجهيزها بالمرافق العامة، وتُعدّ جمركيًّا امتدادًا للخارج، فهي معزولة جمركيًّا، إلا أنها خاضعة بالقطع للسيادة الوطنية من وجهة النظر السياسية، وداخل المنطقة الحرة يُصرَّح بإقامة المشروعات الخاصة برؤوس الأموال المحلية والأجنبية، ولا محل لدفع أية رسوم جمركية على تلك السلع إلا عند اجتيازها حدود المنطقة الحرة إلى داخل الدولة، إلا أن هناك بعض الدول مثل مصر قد سمحت –بقرار مؤقت يجري تجديده كل 6 شهر منذ 2020ـ بدخول 50% من إنتاج المناطق الحرة للسوق المحلي، كما أن بعض الدول تسمح بدخول إنتاج المناطق الحرة إلى السوق المحلي تشجيعًا للصناعة، حيث يمثل السوق المحلي الواسع في الدول ذات التعداد الكبير فرصة للانطلاق وتأمين جزء من الطاقة الإنتاجية والتسويقية للمشروعات.

كما تتمتع المشروعات المقامة داخل المناطق الحرة بالإعفاء الضريبي وعدم الالتزام بالقوانين واللوائح التنظيمية السائدة داخل إقليم الدولة، كما أن مشروعاتها تتمتع بعدم الخضوع لقيود استخدام العملة الأجنبية أو تحويل الأرباح للخارج، تحصل الدولة على رسوم محدودة من الإيرادات -في مصر من 1-2%- بالعملة الأجنبية؛ لذا تُعدّ المناطق الحرة وسيلة للاندماج في سلاسل القيمة العالمية وتشجيع النشاط الاقتصادي والتصدير، كما أنها في حد ذاتها موردًا للعملة الأجنبية، علاوة على أن ترخيص المشروعات يصدر من الهيئة أو الشركة التي تدير المشروع، وهو يعتبر حلًّا لمشكلة التراخيص والموافقات التي تعتبر من أكبر معوقات الاستثمار.([1])

ويمكن تقسيم المناطق الحرة من حيث التبعية الإشرافية إلى نوعين:

1- مناطق حرة عامة: تنشأ لكل منطقة هيئة عامة لإدارتها، وفي مصر منها 9 مناطق حرة عامة.

2- مناطق حرة خاصة: بموجب هذا النظام تخصص الحكومة الأرض اللازمة لصالح “شركة” قطاع خاص أو عام أو مشترك تكون هي المسئولة عن التشغيل والترخيص للمشروعات داخل المنطقة، وتشرف على التزاماتها أقرب منطقة حرة عامة جغرافيا.

فالمناطق الحرة الصناعية العامة هي الشكل التقليدي، وهي التي تتم إقامتها وإدارتها بواسطة هيئة حكومية، وتكون في مناطق محددة جغرافيًّا ومملوكة للحكومة وتؤجرها للمستثمرين لمدد محددة، أما المناطق الحرة الصناعية الخاصة فتقام بواسطة القطاع الخاص الذي يتولَّى إنشاء البنية الأساسية فيها وتكون الأرض مملوكة له، كما يكون له الحق في أن يقيمها في أي مكان في البلاد المضيفة.

تأثير المناطق الحرة على صناعة منخفضة التكنولوجيا (الملابس): 

توجد علاقة طردية بين الانتشار الكبير للمناطق الحرة الصناعية منذ عـام ١٩٧٠ وبين انتشار صناعة الملابس والنسيج التي تستخدم العمالة منخفضة الأجـور منـذ ذلـك التاريخ. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن صناعة النسيج والملابس كانت من أكثر الصناعات انتشارًا في معظم المناطق الصناعية على مستوى العالم، وفي قارة آسيا على وجه الخصوص، وذلك لظهور اتفاقية تجارة المنسوجات والملابس متعددة الأطراف (MFA) الفترة من عام ١٩٧٣، وهي اتفاقية تجارية حكومية تمَّت بين الدول الصناعية المتقدمة والدول النامية حديثة العهد بالتصنيع، تمنح فيها الدول الصناعية المتقدمة حصصًا تصديرية كمية من المنسوجات والملابس للدول النامية حديثة العهد بالتصنيع؛ لذلك انتقلت الشركات الأجنبية إلى تلك الدول النامية للاستثمار في صناعة الملابس الجاهزة والمنسوجات والتصدير منها لأسواق الدول المتقدمة، وقد استهدفت الشركات الكبرى في صناعة الملابس الدول التي لم تستطع تغطية الحصة التصديرية الممنوحة لها، وتركّزَت معظم استثمارات تلك الشركات بالمناطق الحرة الصناعية بالدول النامية رغبة منها في الاستفادة من المزايا المتاحة بها من إعفاءات وحوافز وموقع مجهز وعمالة رخيصة وسوق كبيرة.([2])

ويُعتبَر قرار الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة في مصر، الصادر في أبريل 2020، بالسماح لمشروعات المناطق الحرة بالبيع للسوق المحلي بنسبة 50% لمدة 6 أشهر([3]) حلًّا لمشكلة قطاع الصناعات التحويلية؛ فهو يضمن تصدير 50% من الإنتاج وتوفير حاجة الأسواق من المنتجات بالعملة المحلية.

لذا يُعتبَر نظام المناطق الصناعية الحرة المتخصصة حلًّا مناسبًا للحالة المصرية، كما أنه يتمتع بمزايا نسبية تفوق العديد من الدول النامية، وهي الموقع الجغرافي المتميز في قلب العالم، والقوى العاملة منخفضة التكلفة؛ لذا فإن مشروعات العناقيد الصناعية التي بدأتها الحكومة المصرية بالفعل يمكن التغلب على معظم معوقاتها باستخدام نظام المناطق الصناعية الحرة عامة أو خاصة، كما سيأتي ذكره في مقترح إنجاح مشروع مدينة الأثاث، والذي يمكن تطبيقه في صناعات وعناقيد صناعية مماثلة كمدينة الروبيكي للجلود ومدينة النسيج بالسادات.

المصادر :

([1]) الدبسي.(2006). المناطق الحرة الصناعية أداة لتنمية الصادرات: بالتطبيق على الحالة المصرية.

([2]) الدبسي (2006). “المناطق الحرة الصناعية أداة لتنمية الصادرات: بالتطبيق على الحالة المصرية.مرجع سبق الإشارة إليه.

([3]) الموقع الرسمي للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة.

المراجع : 

([1]) كتاب : روشتة إنقاذ الجنيه، د.مصطفى العناني (2024)