ينصرف المعنى العام للتمويل إلى تدبير الأموال اللازمة للقيام بالنشاط الاقتصادي، وتعتمد المؤسسات في الأساس على مواردها الذاتية لتمويل أنشطتها الاقتصادية، فإذا لم تفِ بذلك اتجهت تلك المؤسسات إلى غيرها ممن يملكون فائضًا من الأموال لسد هذا العجز، ولهذا ينصرف المعنى الحاصل للتمويل إلى أنه “نقل القدرة التمويلية من فئات الفائض المالي إلى فئات العجز”.
ولما كانت الكثير من البلدان النامية تعاني من تراجع مستوى الادخار المحلي، والذي ينعكس على جهود التنمية؛ فكان من الضروري لجوء البلدان النامية إلى التمويل الخارجي عبر الاستثمار بشقَّيْه (المباشر) و(غير المباشر) لسد الفجوة الداخلية ولمواجهة المتطلبات المتزايدة لسكانها، وهنا نوضح الفرق بين الاستثمار المباشر وغير المباشر.
- الاستثمار الأجنبي المباشر:
هو الاستثمار الذي يمتلك صاحبه بموجبه سيطرة أو قوة تصويتية في المؤسسة، ومن الناحية العملية يتمثل معيار التمييز للإدراج ضمن هذا البند بامتلاك المستثمر لحوالي 10% على الأقل من الأسهم في الشركة. ([1])
وقد تصاعدت خلال العقد الأخير من القرن الماضي أهمية الاستثمارات الأجنبية المباشرة للدول النامية للأسباب التالية:
- أنها تُعتَبر أحد مصادر رأس المال والخبرات الإدارية.
- أنها تُعتبَر إحدى وسائل توطين التكنولوجيا والنفاذ إلى الأسواق العالمية.
- أنها تُعتَبَر نتيجة للتغيرات الأساسية التي طرأت على هيكل الاقتصاد العالمي.
- أنها أكبر مصدراً للموارد المالية الخارجية اللازمة للتنمية في الدول النامية.
ولما كان الاستثمار الأجنبي المباشر –في الظروف العادية- قد اتجه إلى الإنتاج للسوق المحلي وليس للتصدير، كما ركز على القطاعات الاستهلاكية والصناعات الاستخراجية (البترول والغاز)، وهو ما أفضى إلى زيادة عجز الميزان التجاري؛ فقد أصبح ضرورياً البحث عن بدائل لتمويل التنمية اللازمة للخروج من الأزمة الحالية، بالاعتماد على قدراتنا واستكمال ما ينقصنا لعلاج أزمتنا المزمنة “خلل هيكل الإنتاج”.
فإذا كان الاستثمار الأجنبي المباشر حلًّا لاستيراد التكنولوجيا وتمويل التنمية فإنه ليس حلًا أوحد بلا بدائل، ولا ينبغي أن يظل اقتصادنا مرهونًا بإرادة المستثمر الأجنبي وحساباته.
فالاستثمار الأجنبي المباشر على الرغم من أنه يوفر تمويلًا للتنمية ويساعد على نقل التكنولوجيا ورفع مستويات التشغيل، إلا أن العوائد والأرباح يتم تحويلها للخارج، على عكس الاستثمار المحلي الذي غالبًا ما يُبقِي على عوائده داخل الاقتصاد المحلي ويعيد استثماره في تمويل توسعاته، خاصة في قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، علاوة على أن معظم تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر جاءت لتغطية الاستهلاك المحلي وليس للتصدير، وقد أكدت العديد من الدراسات حول أثر الاستثمار الأجنبي المباشر على الميزان التجاري وميزان المدفوعات عمومًا وجود علاقة طردية بين تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وارتفاع الواردات؛ حيث أكدت النتائج أن زيادة الاستثمار الأجنبي تسبّبَت في رفع فاتورة الواردات وتعزيز عجز الميزان التجاري، وهو ما يقودنا لتعزيز الاتجاه نحو الاستفادة من الاستثمار الأجنبي غير المباشر لتمويل المشروعات اللازمة لسد فجوة الإنتاج المحلي.
- الاستثمار الأجنبي غير المباشر ([2]):
يُعرَف هذا النوع من الاستثمار ب”الاستثمار المحفظي”، والذي يقوم على أساس شراء الأجانب للأسهم والسندات الخاصة أو الحكومية في البلد المضيف بقصد المضاربة والاستفادة من فروق الأسعار التي تُدرّها الأوراق المالية، شرط ألّا يكون في حوزة الأجانب من الأسهم ما يمكّنُهم من حق إدارة المشروع أو الإشراف عليه.
يتخذ الاستثمار الأجنبي غير المباشر صورًا مختلفة؛ منها القروض، سواء للحكومات أو هيئاتها العامة أو الخاصة أو الأفراد وبآجال مختلفة، وتهدف إلى المضاربة وليس إنشاء علاقات اقتصادية ثابتة، وهذا النوع من الاستثمار يعمل على تقليل مخاطر الاستثمار عن طريق تنويع محفظة الاستثمارات؛ إذ إنّ عوائد الأسهم والسندات لا تخضع لنفس الدرجة من المخاطرة، بالإضافة إلى الحصول على منافع مالية أكبر؛ لذا فهذا النوع من الاستثمار يأتي من خلال استثمار الحافظة، والذي يتكون من تدفقات استثمارية مع عدم وجود سيطرة فعالة للمستثمرين على استثماراتهم، وقد بدأ هذا النوع من الاستثمار خلال القرن السابع عشر وتطَوَّرَ مع تطور النظام الرأسمالي، ومعظم هذه الاستثمارات يقوم بها أصحاب الفوائض المالية بهدف الحصول على عائد من أجل زيادة التراكم الرأسمالي، من دون أن يكون للمستثمر الأجنبي السيطرة على أي مشروع إنتاجي في البلد المُضيف المَعني.
وقد تزايد الاندفاع نحو الاستثمار المحفظي خلال القرن الحادي والعشرين بسبب توافر الأسواق المالية وتطورها وتنوع أدواتها وسهولة عملية التعامل فيها وتوافر الحوافز الضريبية، وإمكانية تسييل الأصول وحرية التحويل؛ مما شجع الكثير من المواطنين الأمريكيين على توظيف أموالهم في الشركات اليابانية المنتجة للأجهزة الإلكترونية والكهربائية من خلال شراء الأسهم والسندات العائدة لهذه الشركات، وبالمثل فإن الكثير من الأوروبيِّين يوظفون أموالهم في الشركات الأمريكية مثل شركة ((I.B.M وغيرها.
- دور مؤسسات التمويل الدولية في تمويل القطاع الخاص في مصر: ([3])
وِفقًا لوزارة التعاون الدولي فقد بلغت التمويلات التنموية الجارية للقطاع الخاص من مؤسسات التمويل الدولية في عام 2022 نحو 7.3 مليارات دولار منقسمة بواقع 3.11 مليارات دولار من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وبنك الاستثمار الأوروبي بقيمة 1.67 مليار دولار، ومؤسسة التمويل الدولية بقيمة 1.25 مليار دولار، ووكالة ضمانات الاستثمار «ميجا» 500 مليون دولار، وهيئة التعاون الدوليّ اليابانية «جايكا» 200 مليون دولار، وكذلك صندوق الأوبك للتنمية الدولية 145 مليون دولار، ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية «يونيدو» 76 مليون دولار، والصندوق العربيّ للإنماء الاقتصادي والاجتماعي 61 مليون دولار.
كما تمكّنَت منصة (نُوَفِّي) لتمويل المشروعات الخضراء التي أطلقتها وزارة التعاون الدولي في عام 2022، من حشد 14 مليار دولار لصالح المشروعات الخضراء المصرية والأفريقية منذ إطلاقها.
ويتوقف التمويل الموجه للقطاع الخاص على وجود مشروعات جاهزة للتنفيذ([4])؛ لذا فإن وجود عناقيد صناعية ومشروعات جاهزة للتنفيذ ذات علاقات وتحالفات وترابطات أمامية وخلفية، يمكن تمويلها من خلال أدوات الاستثمار غير المباشر المتنوعة، حيث تقوم مؤسسات التمويل الدولية بالاعتماد على البنوك المحلية كوسيط بينها وبين هذه المشروعات.
إن الاعتماد على هذه التمويلات كاستثمارات أجنبية غير مباشرة أصبح مصدرًا أساسيًّا لتمويل التنمية ودفع القطاع الخاص، وهي سياسة اعتمدت عليها الكثير من الدول لجذب التمويل الأجنبي نحو تمويل القطاع الخاص مباشرة، عوضًا عن استدانة الخزانة العامة للدولة من أجل توفير الواردات من المعدات والمواد الخام، شرط أن تحقق هذه المشروعات نسبة من الصادرات لسداد التزاماتها بالعملة الأجنبية، فإذا ما تم حشد الجهود لإزالة معوقات الاستثمار ودفع المشروعات الصغيرة والمتوسطة عبر الآليات السابق شرحها يمكن العمل على زيادة هذه المحفظة بالتنسيق مع جهات التمويل الدولية المختلفة.
- بدائل تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة
وتُعدّ إشكالية التمويل أحد المعوقات في طريق المشروعات الصغيرة والمتوسطة نتيجة ارتفاع مخاطرها؛ لذا فقد تم استحداث أدوات تمويلية جديدة لهذه المشروعات، وعلى رأس هذه الأدوات التي ظهرَت حديثًا منصات التمويل الجماعي، والتي توفر للمستثمرين أيًّا كان حجم استثماراتهم إمكانية توزيع مبلغ الاستثمار على مجموعة من الأسهم أو السندات أو الصكوك في عدة مشروعات بحيث يمكن توزيع المخاطر، وقد بدأت تنتشر في مصر منصات التمويل الجماعي، وهناك منصات أخرى في الطريق؛ حيث إن البنية التشريعية المتوفرة تسمح بنظُم عمل متنوعة لهذه المنصات، التي تحتاج إلى دعم لتعزيز تواجدها وانتشارها كأداة مهمة في تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة من أجل الحصول على التمويلات اللازمة.
وهناك في مصر أدوات أخرى لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة يمكن تعزيزها وتوسعة نطاق عملها؛ فلدينا شركات رأس المال المُخاطر لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وشركة لضمان مخاطر الائتمان، وكلتاهما أدوات لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة يمكن أن تسهم بشكل فعال في النهوض بهذا القطاع.
و على ذكر مخاطر الائتمان و قيود البنوك التجارية على تمويل المشروعات الصغيرة و المتوسطة باعتبارها مشروعات عالية المخاطر ، فإن التمويل الإسلامي يعد بديلاً أساسيا و حلاً ناجعاً لتمويل هذه المشروعات ، حيث أن التمويل الإسلامي يقوم أساسا على قاعدة ” الغنم بالغرم ” أي المشاركة على الربح و الخسارة.
فإذا كانت المشروعات الصغيرة والمتوسطة تمثل 90% من حجم الأعمال في جميع أنحاء العالم، كما تمثل نفس النسبة من الاقتصادات المتقدمة، فهذا يعني أن وجود آلية تمويل مناسبة لهذه المشروعات يضمن تحقيق التنمية ورفع الإنتاجية؛ وبالتالي يمثل التمويل الإسلامي رافعة أساسية للنمو والإنتاج، كما أن التمويل بالصيغ الإسلامية القائمة على الشراكة مع المُشَغِّل كالمرابحة، والاستصناع، والاستزراع؛ هي صيغ تمويل لا تتسبب في رفع تكلفة المنتج كما هو الحال في التمويل بالفائدة، حيث إن الفائدة يتم تحميلها على تكلفة المُنتَج، بينما نسبة الشريك تُخصَم من صافي الربح.كما أن مسألة ارتفاع نسبة المخاطرة للتمويل الإسلامي خوفا على أموال المودعين تعوضها نسبة الربح علاوة على أن توزيع محفظة البنك الإسلامي على قطاعات متنوعة يمثل ضمانة إضافية لأموال المودعين.
أضف إلى ما سبق أن صور المشاركة في التمويل الإسلامي كالصكوك مثلاً ([5])، تمثل حلاً لظاهرة انتشرت في مصر وهي ما عُرفت إعلاميا بظاهرة “المستريح” ([6]) ، فالصك الإسلامي الخاص بمشروع معين وبنسبة ربح معروفة يمكن أن يكون بديلاً استثمارياً مجزياً للأفراد، علاوة على أنه سيضمن لاقتصاد الدولة حشد وتوجيه مدخرات الأفراد -خارج القطاع المصرفي – إلى التنمية، وهو ما يسهم في ضبط سوق النقد والسيطرة على التضخم وبالتالي تعزيز الإنتاج، وتوفير المزيد من فرص التشغيل.
أما على مستوى التمويل الخارجي فهناك العديد من البنوك الإسلامية التي تعمل في مصر ويمكنها حشد تمويلات دولارية من أسواق رأس المال، علاوة على أن مصر عضو في البنك الإسلامي للتنمية وهو يمول بالفعل مشروعات للقطاع الخاص في مصر في حدود 3مليارات دولار سنويا، يمكن العمل على زيادة محفظة التمويل هذه بالتنسيق مع البنوك في حال ما إذا وفرت الدولة الدعم المناسب لهذه المشروعات.
المصادر والمراجع :
([1]) دليل ميزان المدفوعات. البنك الدولي.الطبعة الخامسة.(1993).
([2]) الجبوري وآخرون.(2012). قياس أثر الاستثمار الأجنبي غير المباشر على بعض المتغيرات الاقتصادية الكلية في البلدان النامية.
([3]) المؤتمر الاقتصادي بمصر.(2022). جلسة :آفاق التمويل الدولي لدعم القطاع الخاص.
([4]) تصريح لوزيرة التعاون الدولي (2022). قمة المناخ 27. شرم الشيخ.
( [5] ) الصك هو ورقة مالية تضمن لمشتريها حصة في مشروع قائم أو قيد الإنشاء ويحصل بمقتضاها على نسبة من ربح المشروع وليس فائدة
( [6] ) المستريح مصطلح انتشر في مصر للإشارة إلى المُحتال الذي يجمع الأموال من الأفراد بزعم استثمارها نظير عائد مرتفع أعلى من الفائدة البنكية، وغالبا يهرب هذا المحتال بعد أن يكون جمع أكبر قدر من الأموال .