تُعاني معظم الدول النامية من عجز كبير في الميزان التجاري نتيجة انخفاض نسبة تغطية الصادرات للواردات، الأمر الذي يترتَّبُ عليه زيادة في الطلب على النقد الأجنبي بما يفوق المتاح منه، ومن ثمّ ارتفاع سعر الصرف الأجنبي، وبالتالي عدم الاستقرار الاقتصادي على المستوى الخارجي.
ومن جانب آخر تقِلّ قدرة الدولة على الاستيراد، ومن ثمّ ينقُصُ المعروض من السلع بالسوق المحليّ، الأمر الذي يترتَّب عليه ارتفاع معدل التضخم، ومن ثمّ عدم الاستقرار الاقتصادي على المستوى الداخلي أيضًا؛ إذ يؤدي ارتفاع التضخم بدَوْرِه يؤدّي إلى نقص الصادرات؛ لأن المنتج المحلي يكون أغلى نسبيًّا، وترتفع الواردات؛ لأنها تكون أرخص نسبيًّا، مما يضطر الدولة للاقتراض لتمويل الزيادة في الواردات وتمويل المشروعات الاستثمارية، ومن ثُمّ زيادة عِبْء أقساط وفوائد الديون الخارجية بما يزيد من عجز الموازنة العامة للدولة، وبالتالي تدُورُ الدول النامية في حلقة مُفرَّغَة من عجز متزايد ومستمِرّ في الميزان التجاري الذي يتميَّز بطبيعته التراكمية عبر الزمن.
ووِفْقًا لتقارير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بلغَتْ إجمالي الواردات المصرية في 2022 – 97 مليار دولار، بينما بلغَت الصادرات 51.6 مليار دولار، وهو ما يعني أن الواردات ضِعف الصادرات، وهو ما يعكس ضَعْفَ كفاءة التجارة الخارجية.
وتُشِير الأدبيّات الاقتصادية إلى أنّ العجز في الميزان التجاري لا يمثل مشكلة بطبيعته، ولكن يتوقف ذلك على حجم العجز وتكوينه، وأسبابه، ومدى استمراريته، وفي واقع الاقتصاد المصري يُلاحَظ زيادة العجز في الميزان التجاري عبر الزمن؛ أي أنه عجز مزمن ومتزايد ، نتيجة للزيادة الكبيرة في الواردات مقارنة بالزيادة المناظرة لها في الصادرات، وقد انعكس ذلك في انخفاض نسبة تغطية الصادرات السلعية للواردات السلعية بدرجة ملحوظة خلال الأربعِين عامًا الماضية، الأمر الذي يزيد من الطلب على العملات الأجنبية ويسهم في عدم الاستقرار الاقتصادي على المستويَيْن الداخلي والخارجي، ورغم ذلك فقد تراجعَت نسبة العجز في الميزان التجاري كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي عبر الزمن بسبب زيادة حجم الناتج المحلي الإجمالي بمعدلات أكبر من الزيادة في حجم عجز الميزان التجاري، وبالتالي فإن المشكلة في الاقتصاد المصري تتمَثَّل في استمرارية العجز وتزايده، وضَعْف كلٍّ من القدرة الإنتاجية المحلية والقدرة التنافسية للصادرات المصرية على النفاذ للأسواق الخارجية.([1])
- جوهر مشكلة الاقتصاد المصري:
يُعتبر الناتج المحلي الإجمالي أحد أهم مؤشرات الاقتصاد الكلي التي يمكن من خلالها التعرّف على هيكل اقتصاد أي دولة، وتؤثر قيمة الناتج المحلِّي وتطوره على مستوى معيشة الأفراد داخل المجتمع؛ فكلما زادت السلع والخدمات المنتجة محليًا زاد الدخل الذي يحصل عليه المنتجون، وزادَت فرص العمل المتاحة داخل المجتمع، الأمر الذي ينعكس بالزيادة على معدل استهلاك الأفراد للسلع والخدمات، ما يؤدي إلى زيادة الاستثمار والإنتاج مرة أخرى؛ حيث إن هناك علاقة واضحة بين الاستثمار وتوليد الناتج المحلي، فكلما زاد معدل الاستثمارات في القطاعات الاقتصادية المختلفة كلما زادت قيمة الناتج المحلي الإجمالي.
ويمكن تقسيم الناتج المحلّي من حيث قطاعاته إلى 3 أقسام (الزراعة – الصناعة – التجارة والخدمات)، ووِفقًا لتحليل معلومات مجلس الوزراء 2023 يشكّل الوزن النسبي لقطاع الصناعة 16% والزراعة 15% والباقي 69% – الثلثين تقريبًا – لقطاع لتجارة والخدمات، والذي يشمل التشييد والبناء والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
وفي الدول الصناعية المتقدّمة قد تتجاوز مساهمة قطاع الصناعة في الناتج المحلي 30%، مع ملاحظة أن حجم وقيمة الناتج الإجمالي كبير مقارنة بالناتج الإجمالي المصري البالغ 477 مليار دولار([2])، مع ملاحظة أن مساهمة قطاع الصناعة في الناتج المحلي المصري ثلُثها للصناعات الاستخراجية –البترول والغاز والتعدين-، والثلثان للصناعات التحويلية ما يوازي 11% فقط من الناتج المحلي، وهو ما يفسّر نقص الإنتاج والاعتماد على الخارج في توفير احتياجات السوق، وهذا هو عصب المشكلة التي يُسمّيها الاقتصاديين المتخصصين “خلَلٌ في هيكل الإنتاج”؛ حيث إن الإنتاج أقل من الاستهلاك، وهو السبب الأساسي في اختلال هيكل الاقتصاد الكلي؛ لهذا تسمع مصطلح خطة “الإصلاح الهيكلي”، فالهيكل هنا المقصود به “هيكل الاقتصاد”؛ فالخلل الهيكلي في الحالة المصرية يتمثل في:
اختلال التوازن الخارجي، ويتمثّل في خلَل ميزان المدفوعات بسبب عجز الميزان التجاري.
- اختلال التوازن الداخلي، ويتمثل في عجز الموازنة الناتج عن ارتفاع المديونية.
ومن ثمّ فالاقتصاد يعاني من اختلال “التوازن العام”.
وعلاج هذا الخلل الهيكلي للاقتصاد المصري يَستَدْعِي علاج سببه الرئيسي (خلل هيكل الإنتاج)؛ أي زيادة الإنتاج لتغطية الاستهلاك مع تحقيق فائض للتصدير، وهو ما يمكن تحقيقه عبر زيادة مساهمة قطاع الصناعات التحويلية على حساب التجارة والخدمات، أو بمعنى آخر توجيه الاستثمارات إلى القطاعات الإنتاجية بدلًا من القطاعات الاستهلاكية كقطاع التشييد والبناء.
فلسفة التنمية المطلوبة في مصر :
إن الدور الذي لعبته الدولة في مصر حتى الآن في النشاط الاقتصادي عمومًا، وفي تعميق التصنيع المحلي على وجه الخصوص، ما زال بعيدًا عن الدور المطلوب القيام به من جهة، والدور الذي قامَت به بالفعل دول أخرى مثل كوريا الجنوبية ودول في شرق آسيا وغيرها، وهو ما انعكس في ضَعْف الأداء الاقتصادي بشكل عام وتزايد المخاطر التي أصبحَت تهدد استدامة النمو الاقتصادي في المستقبل، ويرجع هذا الأداء الضعيف إلى عدم وضوح الفلسفة التنموية التي تبنَّتْها مصر على مدى السنوات الطويلة الماضية.
إن تعزيز دور الدولة في عملية تعميق التصنيع المحلي مستقبلًا يتطّلب تغيير الفلسفة التنموية التي تم تبَنِّيها منذ عام 1952، في اتجاه الدولة التنموية التي تعتمد على التخطيط التأشيري وعلى السياسات الصناعية الحديثة، والتي تتطلَّبُ دورًا “ذكيًّا” و”انتقائيًّا” للدولة يعزّز من دور القطاع الخاص ويتكامل معه، في إطار رؤية استراتيجية تُحدِث التحول المنشود تجاه تعميق التصنيع المحلي، على أن يتم أخذ تلك الاستراتيجية على محمل الجد وإخضاعها لعملية مراقبة ومحاسبة سياسية ومجتمعية دقيقة تضمَنُ السير في طريق الاستدامة، وتعتمد –بقدر المستطاع– على الإمكانات الذاتية وعلى التعاون والتكامل الإقليمي، الذي يسرع من الاندماج في سلاسل القيمة الإقليمية، ويعزّز في الوقت ذاته من قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة الأزمات.([3])
المصادر والمراجع :
([1]) قاعدة بيانات البنك الدولي(2023).
([2]) علي عبد الوهاب نجا.(2023).مُحدِّدَات العجز في الميزان التجاري المصري خلال الفترة من (1980 إلى 2021).
([3])أشرف العربي.(2022). فلسفة التنمية ودور الدولة في تعميق التصنيع المحلي في مصر.