إن المتابع لملامح الاقتصاد العالمي الجديد، يلمس انتهاء ظاهرة إنتاج المنتج ضمن حدود دولة واحدة، فقد تحول العالم إلى شبكة عنكبوتية من سلاسل القيمة، و استفادت الدول المتقدمة في مجالات التعليم والبحث العلمي وحصدَت النصيب الأكبر من الثروة عبر تركيزها على طرفي سلسلة القيمة يمينًا ويسارًا، لم يعد هناك سبيلاً لدولنا النامية إلا الاندماج في هذا الاقتصاد الجديد، فلم يعد ممكناً البقاء بمعزل عن هذه التطورات، أو الاستمرار في نهج الاقتصاد التقليدي المُعتَمد على توافر الموارد الطبيعية، بل إن التحول إلى اقتصاد المعرفة قد بات حتميًّا، وقد أنتج الباحثون المصريون العديد من الدراسات حول كيفية وآليات التحول إلى اقتصاد المعرفة الذي يتطلَّب إنفاقًا على التعليم والبحث العلمي لسنوات طويلة، وللْحَقّ أنهم قد أخلصوا وأبدعوا، إلا أن الروشتة التي نطرحها لـ”إنقاذ” الجنيه تقتضي حلولًا سريعة و”مرحلية” يمكن الارتكاز عليها والانطلاق بعدها إلى آفاق اقتصاد المعرفة وحصد الثروة وتعظيم الدخل القومي.
ولما كان الاستثمار الأجنبي المباشر –في الظروف العادية- قد توجه نحو تغطية السوق المحلي وليس للتصدير كما ركز على الصناعات الاستخراجية (البترول والغاز)، فقد أفضَى ذلك إلى زيادة عجز الميزان التجاري وتنامي الفجوة بين الصادرات والواردات؛ لذا فقد أصبح لزامًا علينا البحث عن بدائل لتمويل التنمية وسد الفجوة المعرفية؛ لعلاج أزمتنا المزمنة “خلل هيكل الإنتاج”.
فإذا كان الاستثمار الأجنبي المباشر حلًّا لاستيراد التكنولوجيا وتمويل التنمية، فإنه ليس حلًّا أوحد بلا بدائل، ولا ينبغي أن يظل اقتصادنا مرهونًا بإرادة المستثمر الأجنبي وحساباته.
فالاستثمار الأجنبي المباشر على الرغم من أنه يوفر تمويلًا للتنمية ويساعد على نقل التكنولوجيا ورفع مستويات التشغيل، إلا أن العوائد والأرباح يتم تحويلها للخارج، على عكس الاستثمار المحلي الذي غالبًا ما يُبقِي على عوائده داخل الاقتصاد المحلي، ويعيد استثماره في تمويل توسعاته خاصة في قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، إن القطاع الخاص المصري وخاصة القطاع الصناعي، وإن كان محدود الحجم والقدرات، إلا أن تواجدهم في السوق في ظل كل هذه الظروف لهو شهادة لهم بقدرتهم على قيادة النمو والتنمية المأمولة إذا ما توفَّرَ لهم قليلٌ من التخطيط لتسهيل وتذليل عقبات البدايات.
وإن كانت خلاصة تجربة نُظُم الاستثمار في مصر قد أفضَت إلى أنّ نظام المناطق الحرة قادرٌ على حل معظم معوقات الاستثمار للمشروعات الصغيرة والمتوسطة؛ فليكن لكل قطاع إنتاجي يحتاجه السوق منطقة أو مناطق حرة صناعية متخصصة.
وإذا كانت مصر قد قطعَت شوطًا كبيرًا في تحديث بنيتها التحتية، ولا تعاني من مشكلة في توافر الأراضي أو الطاقة اللازمة للصناعة، ولديها من المزايا النسبيّة كالموقع الجغرافي، وتوافر القوى العاملة وانخفاض تكلفة الشحن للأسواق العربية والأفريقية وجنوب أوروبا، فإن هذه المزايا تؤهّلُها للاندماج في سلاسل القيمة العالمية، وحتى لو كان هذا الاندماج في مرحلته الأولى يتركز في عمليتي التصنيع والتجميع؛ فإن هذه الخطوة ضرورية لتأهيل الصناع المصريين للمرحلة التالية “تعزيز الابتكار، وظهور علامات تجارية مصرية عالمية” لمزيد من الاندماج في سلاسل القيمة -يمينًا ويسارًا- للحصول على حصة أكبر من القيمة المضافة للناتج المحلي، علاوة على أن المرحلة الأولى هذه –التجميع والتصنيع- ستساعد بشكل كبير على تغطية جزء كبير من عجز الميزان التجاري، وهو ما نستهدفه بشكل أساسي في هذه المرحلة.
إن اقتصاد المعرفة الذي يتسم بالانفتاح والمرونة والتشابك بين جميع البلدان والشركات قد أصبح له أدوات معروفة ليسَت حِكْرًا على بلد أو مُنتج بعينه، فلم يعد الحصول على المعرفة أو التكنولوجيا أمرًا صعبًا، ولم يعد الإنتاج والتصدير حِكْراً على بلاد دون غيرها مثلما كان الحال في الماضي، بل باتَت عملية إنتاج كل منتج تُمثِّل سلسلة قيمة تشترك فيها دول كثيرة حسب مزاياها النسبية التي نملِكُ منها أكثر من منافسينا.
ويمكن القول إن الشركات المصرية سواء في القطاع العام أو الخاص قد تأخّرَت كثيرًا في اللحاق بركب اقتصاد المعرفة، والاستفادة من انتشار عقود الامتياز لتصدير المعرفة التي نملكها في قطاعات عديدة؛ يأتي على رأسها قطاع البترول المصري بما يملكه من رصيد فنّيِّ ومعرفي متراكم عبر سنوات طوال بدأت منذ خمسينيات القرن الماضي.
ورغم أن القطاع الخاص بات قاطرة النمو والتنمية، وخاصة عبر المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل حوالي 90% من حجم الناتج المحلي العالمي، إلا أن هذه المشروعات لا تنطلق وحدها، بل تحتاج إلى تخطيط وتأهيل الأرض لها لكي تعمل وتنطلق، بدءًا من طرح الفرص الاستثمارية وتخصيص الأراضي المرفقة بالتسهيلات المطلوبة في تجمعات تخصصية وقطاعية، وانتهاءً بالتشبيك بين الصناع المصريِّين ومصادر التمويل من جهة، وبينهم وبين الشركات الكبرى الباحثة عن شركاء إقليميين.
إن المزايا النسبية التي تملكها مصر من موقع جغرافيٍّ قريب من أسواق الاستهلاك المحيطة، وقوة عمل كبيرة، وشبكة اتفاقيات تجارة حرة، وتوافر الأرض، والطاقة، وبنية تحتية لا بأس بها من المواني والمطارات والطرق، لهي مزايا لم تكن متوفرة لمعظم دول جنوب شرق آسيا “النمور” التي صعدَت سريعًا، وحقيقة الأمر إننا لا ينقصنا سوى نقل التكنولوجيا والمعرفة خاصة في الصناعات مرتفعة التكنولوجيا العالية –كما فعلوا هم في البداية–، ثم بعد ذلك الاعتماد القطاع الخاص ومساعدته للحصول على الاستثمار الأجنبي غير المباشر عبر أسواق التمويل الدولية كآلية بديلة للاستثمار الأجنبي المباشر.
إن الآلية المقترحة ليس هدفها فقط سد احتياجاتنا من التمويل وتعزيز الإنتاج المحلي، بل تعزيز الشراكة مع الدول الأفريقية عن طريق مشاركة المعرفة الفنية المتوفرة في السوق المحلي –الفرنشايز- مع الشركاء الأفارقة أو توفير ما ينقصنا من معرفة فنية عن طريق عقود نقل التكنولوجيا؛ ليكون أمام جهات التمويل الدولية فرص مشروعات جاهزة للتمويل ؛ وعلاوة على الشراكة مع الدول الأفريقية ونشر قاعدة من المشروعات الإنتاجية في القارة ، فمصر مؤهلة لأن تكون مصنع أفريقيا والوطن العربي ونقطة الارتكاز الإنتاجية للعلامات التجارية الكبرى المنتشرة في الأسواق العربية و الإفريقية، فقد توصّلَت الشركات اليوم بعد أزمة سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والشحن، إلى اختيار نقاط ارتكاز التصنيع و التجميع على أساس إقليميّ وليس على أساس دولي.