في تايوان وُضعَت خطة وطنية للمعلوماتية بعنوان “الخطة العشرية لصناعة المعلومات في تايوان”، وذلك في عام ١٩٨٠، ركّزَت على دور الدولة في التخطيط لمستقبل المعلوماتية في المجتمع حتى يتم خلق المناخ المناسب لنمو الصناعات المعلوماتية بما يضمن المحافظة على القدرة التنافسية العالية في الأسواق، كما قامت تايوان بدمج مؤسسات البحوث الوطنية تحت لواء مؤسسة البحوث الصناعية الفنية، وأنشأت “حديقة هسنشو للعلوم” بجوار مؤسسة البحوث، والتي أصبحَت رمزًا للتحول الاقتصادي عن طريق العلم والتقنية، كما أنشأت “حديقة تانيان للعلوم” التي تُعدّ موقع كبرى شركات التقنية الحيوية في تايوان. ([1])
وقد استحدثَت المملكة المتحدة عام ١٩٨١ وزارة دولة لشئون الصناعة وتكنولوجيا المعلومات مهمتها جمع جوانب ثورة المعلومات كافة، وتتولَّى هذه الوزارة عدة مسئوليات مترابطة، في مقدمتها: الإشراف على صناعة الحاسبات الإلكترونية والروبوت والإليكترونيات الدقيقة والهندسة الميكانيكية، والبحث والتطوير وسياسة الاتصالات السلكية واللاسلكية والمواد الكيماوية، وصناعة الأفلام وصناعة الفضاء، وقد أشار وزير الدولة البريطاني لشئون الصناعة وتكنولوجيا المعلومات “لينيث بيكر” في حديث له آنذاك خلال زيارته إلى أستراليا بضرورة الأخذ بآخر التطورات في ميدان الحاسبات، مؤكدًا أن “الصناعي” الذي لا يوظف تقنيات الحاسب الإلكتروني الدقيقة لن يجد له مكانًا في ميدان الصناعة خلال الأعوام الخمسة القادمة.
وفي الصين أُجريت عملية تحول وإعادة هيكلة للسياسات الخاصة بالبحث العلمي منذ عام ١٩٨٥ بهدف تحويل اتجاهات البحوث العلمية النظرية إلى تطبيقات في الصناعة والاقتصاد؛ وبدأت في عام ١٩٨٨ إعداد برنامج قومي مركزي يعرف ب (Torch) لتطوير الصناعات التكنولوجية، وتُشير الإحصائيات إلى أن هذا البرنامج الطموح قد أدَّى إلى خلق ٥٤ حديقة تكنولوجيّة خلال التسعينيات من القرن الماضي، كما نجح في إقامة قرابة ٤٦٥ حاضنة تكنولوجية حتى عام ٢٠٠٢، ووصل عدد الشركات التي أُقيمَت فيها إلى ٢٠٧٩٦ من الشركات التي تُنتج منتجات عالية التكنولوجيا، ويعمل فيها قرابة ٢,٥١ مليون شخص غالبيتهم من ذوي المؤهلات العالية.
كما بدأت اليابان في عام ١٩٧١ بوضع خطة لتصور المجتمع الياباني بحلول عام ٢٠٠٠، قام بها معهد تطوير استخدامات الحاسبات ((JCUDI، وذلك بتكليف من وزارة الصناعة والتجارة الدولية، جاءت بعنوان “خطة لمجتمع معلوماتي – هدف وطني لعام ٢٠٠٠”، وقد حدّدَت هذه الخطة أنه بحلول عام ٢٠٠٠ يجب أن يعتمد الاقتصاد الياباني على المنتجات المعلوماتية وليس على الصناعات التقليدية، وأن تتغذَّى الثروة الوطنية بصورة أساسية من قبل صناعات المعرفة التي تعتمد على قواعد المعلومات كوقود لها، ولتحقيق ذلك وَضَعَت خطوطًا عريضة يُسترشد بها للدخول في القرن الحادي والعشرين، تهدف لإيجاد فيض من الإبداع الفكري الإنساني في المجتمع، وقد نتج عن ذلك زيادة صادرات (التكنولوجيا المتقدمة(، وهي المنتجات ذات الكثافة العالية من حيث التطوير والبحوث مثل مجال الفضاء الجوي، وأجهزة الحاسوب، والمنتجات الصيدلانية، والأدوات العلمية، والأجهزة الكهربائية.([2])
أما على الصعيد العربي فقد بدأت الدول العربية بترجمة تلك التوجهات عن طريق البنية التشريعية والقانونية، وإقامة المراكز البحثية والتخصصية، وإنشاء المدن المعرفية والحاضنات والحدائق التكنولوجية؛ ففي السعودية أُقيمَت مدينة المعرفة الاقتصادية بالمدينة المنورة التي تحظَى بمكانة وأهمية اقتصادية خاصة؛ لأنَّها ستضع المملكة في مرتبة قيادية رائدة على مستوى العالم في الصناعات المعرفية، حيث تقدَّر تكلفة إنشاء هذه المدينة ب ٢٥ مليار ريال، وستوفِّر ٢٠ ألف وظيفة للمواطنين، وبهذا تكون أول مدينة من نوعها قائمة على الصناعات المعرفية في البلاد، ورابع مدينة اقتصادية ضمن خطة الهيئة العامة للاستثمار الهادفة إلى توطين رؤوس الأموال السعودية واجتذاب الاستثمارات من مختلف أنحاء العالم، والإسهام في إحداث طفرة حضارية في المدينة المنورة.
وفي إطار السعي الاستراتيجي لحكومة دبي للدخول في مجال الصناعات المعرفية أُنشئَت مدينة دبي للإنترنت، بهدف جعل نصيب تلك الصناعات ما يقارب ٢٥% من الناتج المحلي الإجمالي، مستفيدة من موقعها الذي يتوسط العالم، ومن البيئة التشريعية والقانونية التي أرْسَتْها، ومن البنية التحتية والإنشائية المتطورة التي أقامتها، ومن الطلب المُتنامي في المنطقة على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والذي أصبح سوقُها السنوي يشكل قرابة ١٠ مليار دولار في منطقة دول الخليج العربي وحدها، هذا فضلًا عن تجربة تونس والمغرب والبحرين وعمان التي قطَعَتْ شَوطًا متقدّمًا على هذا الصعيد.
كما أقام مجلس التعاون الخليجي مؤتمر الصناعات المعرفية وتقنيات النانو عام ٢٠٠٨ في الدوحة، جرَت فيه مناقشة الصناعات المعرفية في دول مجلس التعاون الخليجي والتحديات المستقبلية والخطط الاستراتيجية للصناعات المعرفية واستخدامات تقنية النانو، وتحديد خطة استراتيجيّة لدول مجلس التعاون الخليجي بهدف نشر الصناعات المعرفية فيها ([3]).
ومن خلال تحليل الهيكل التصنيعي لمصر نجد أنه: بعيدًا عن صناعات الكيماويات لا توجد صناعات أخرى ذات مكون تكنولوجي مرتفع أو متوسط ضمن أهم خمس صناعات لمصر من حيث القيمة المضافة للتصنيع، وذلك على النقيض من الاقتصادات الصناعية الناشئة، فعلى سبيل المثال نجد أن ماليزيا وإندونيسيا لديهما أربع صناعات تتمتع بمكون تكنولوجي مرتفع ومتوسط، وهي (صناعة الكيماويات – الإلكترونيات – السيارات – والآلات) ([4]).
…………………………………………………………………..
وإذا كان الاقتصاد الجديد قد تحول نحو التركيز على تحقيق القيمة المضافة من امتلاك المعرفة وتصديرها، فإن هذا النهج الجديد قد استحدثَ أدوات يجب التعرف عليها لتطويعها من أجل تعويض ما ينقصنا من “معرفة” و”تمويل” للنهوض بالصناعة وسد الفجوة بين الواردات والصادرات، وعلى رأس هذه الأدوات:
- أدوات نقل المعرفة (عقود الامتياز “الفرنشايز”، وعقود نقل التكنولوجيا).
- أدوات التمويل الدولي (الاستثمار غير المباشر).
المصادر والمراجع :
وهذا ما سنتناوله في الجزء القادم لنستطلع سويًّا كيف يمكن سد فجوة التكنولوجيا والتمويل للنهوض بالإنتاج المحلي.
([1]) دور مجمعات التقنية في التحول نحو الاقتصاد المعرفي.(2010). مركز الدراسات الاستراتيجية. جامعة المللك عبد العزيز.
([2]) World Development Indicators, World Bank, (2016)
([3]) أبو الشامات.(2012). اتجاهات اقتصاد المعرفة في البلدان العربية.
([4]) شحات.(2022). سبل تعزيز الصناعات التكنولوجية عالية التقنية في إطار “رؤية مصر 2030. مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار.رئاسة مجلس الوزراء.مصر.